فخر الدين الرازي

210

تفسير الرازي

من وجهين : الأول : قوله : * ( مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة ، هي الولاية المثبتة في القسم الذي تقدم ، فمن حمل تلك الولاية على الإرث ، زعم أن الولاية المنفية ههنا هي الإرث ، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة ، فكذا ههنا . واحتج الذاهبون ، إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث ، بأن قالوا : لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله : * ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) * ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو أمر مغاير للنصرة ، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والإجلال فسقط هذا الدليل . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( حتى يهاجروا ) * . واعلم أن قوله تعالى : * ( مالكم من ولايتهم من شيء ) * يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقاً ، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله : * ( مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) * يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت ، والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها ، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول : إن قطع المهاجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه ، فلا شك أن هذا يصير مرغباً له في الهجرة ، والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض ، وحصول الألفة الشوكة وعدم التفرقة . المسألة الثالثة : قرأ حمزة * ( من ولايتهم ) * بكسر الواو ، والباقون بالفتح . قال الزجاج : من فتح جعلها من النصرة والنسب . وقال : والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة للفصل بين المعنيين وقد يجوز كسر الولاية لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة كالقصارة والخياطة فهي مكسورة . وقال أبو علي الفارسي : الفتح أجود ، لأن الولاية ههنا من الدين والكسر في السلطان . والحكم الثاني : من أحكام هذا القسم الثالث ، قوله تعالى : * ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) * . واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين ، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لم استنصروكم فانصروهم